السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
415
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تهواه أنفسنا بتسويلاتهم ، وتمتع الجن منا باتباع ما كانوا يلقون إلينا من الوساوس وكنا على ذلك حتى بلغنا آخر ما بلغنا من فعلية الحياة الشقية ودرجة العمل . فهذا اعتراف منهم بأن الأجل وإن كان بتأجيل اللّه سبحانه لكنهم إنما بلغوه بطيهم طريق تمتع البعض من البعض ، وهو طريق سلكوه باختيارهم . ولا يبعد أن يستظهر من هنا أن المراد بالجن الشياطين الذين يوسوسون في صدور الناس من الجن . قوله تعالى : قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ الخ ؛ هذا جواب منه سبحانه وقضاء عليه ، ومتن ما قضى به قوله : « النَّارُ مَثْواكُمْ » الخ . والمثوى اسم مكان من قولهم : ثوى يثوي ثواء أي أقام مع استقرار فقوله : النار مثواكم أي مقامكم الذي تستقرون فيه من غير خروج ولذا أكده بقوله ؟ « خالِدِينَ فِيها » وقوله « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » استثناء يفيد أن القدرة الإلهية باقية مع ذلك على ما كانت فله مع ذلك أن يخرجكم منها وإن كان لا يفعل . ثم تمم الآية بقوله : « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » وهو يفيد تعليل البيان الواقع في الآية والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فيه بيان أن جعله تعالى بعض الظالمين أولياء يجري على الحقيقة المبينة في الآية السابقة ، وهو أن التابع يستمتع المتبوع من طريق تسويله وإغوائه فيكسب بذلك الذنوب والآثام حتى يجعل اللّه المتبوع وليا عليه ويدخل التابع في ولايته . وقوله : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الباء للسببية أو المقابلة ، وهو يفيد أن هذه التولية إنما هي بنحو المجازاة يجازي بها الظالمين في قبال ما اكتسبوه من المظالم لا تولية ابتدائية من غير ذنب سابق نظير ما في قوله : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » ( البقرة / 26 ) . وقد التفت في الآية من الغيبة إلى التكلم ليختص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ببيان هذه